الصورة الذهنية عن منظمات المجتمع المدني

يرى المفكرون أن الصورة الذهنية عن منظمات المجتمع المدني تتكون لدى الأفراد أو المؤسسات من خلال المعارف والأفكار والتجارب التي مروا بها مع هذا القطاع، ومدى قوة أو ضعف إدراكهم لأهميته، بالإضافة إلى تأثير عواطفهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم على تكوين الصورة الذهنية لديهم، فمثلا الحدود المعرفية ومعتقدات التنظيمات الإرهابية، أوصلتهم ليس فقط لرسم صورة ضبابية عن منظمات المجتمع المدني بل تعداه إلى اغتيال العديد من نشطاء المجتمع المدني، وقس على ذلك من التوجهات والأفكار التي لا ترى أو لا تدرك مدى أهمية قطاع المجتمع المدني على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تعتبر وسائل الإعلام من أهم العوامل المؤثرة في رسم الصورة الذهنية لدى الجمهور حول منظمات المجتمع المدني، فخلال الأعوام الأولى للثورة الليبية مطلع عام 2011، استفادت منظمات المجتمع المدني من التغطية الإعلامية بشكل كبير، وكان جُل السياسيين يروجون لأهمية وجودها كأساس للتحول الديمقراطي في ليبيا، وحظت نشاطاتها بمساحة واسعة من وسائل الإعلام المحلية والدولية، خاصةً المنظمات ذات النشاط السياسي والحقوقي، وكانت تعتبر المادة الرئيسية لأغلب البرامج التلفزيونية. مع اشتداد الانقسامات السياسية وبداية الحرب على الإرهاب عام 2014، أصبحت وسائل الإعلام تتجاهل تغطية برامج ونشاطات منظمات المجتمع المدني، إلا إذا كانت تتوافق مع أجندتها السياسية، فتدهورت بالإجمال الصورة الذهنية عن منظمات المجتمع المدني، خاصةً منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات التي تتلقى تمويل من الجهات الدولية، وأصبح الخطاب الإعلامي يميل إلى تخوين القائمين عليها، ووصف نشطاء المجتمع المدني بالعملاء والجواسيس، الشيء الذي أجبر العديد منهم على الخروج من البلاد، وتوقف المنظمات الحقوقية عن النشاط بشكل شبه تام. بعد انطلاق بث قناة 218 صيف 2015، وقناة ليبيا روحها الوطن أواخر عام 2017، أصبحت نشاطات وبرامج منظمات المجتمع المدني تلقى مساحة جيدة من التغطية، ويتم تسليط الضوء على دورها من خلال أكثر من برنامج: منها برنامج ((مراسلون)) على قناة ليبيا روحها الوطن، وبرنامج ((تقارير)) و ((خمسة العشية))على قناة 218، بالإضافة لبرنامج ((عن قرب)) و ((شير شباب)) على قناة ليبيا الفضائية، وغيرها من البرامج المرئية والمسموعة، التي يتم من خلالها عرض النشاطات التي تقوم بتنفيذها منظمات المجتمع المدني, وإجراء اللقاءات مع نشطاء المجتمع المدني ومنحهم مساحة أوسع للظهور في القنوات الفضائية والإذاعات المسموعة بالإضافة للعديد من المواقع الالكترونية الاخبارية والصحف الالكترونية والورقية التي ترصد نشاطات منظمات المجتمع المدني في ليبيا، كما تعتمد المنظمات في الأساس على مواقع التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك – توتير ) للإعلان عن أنشطتها وبرامجها والترويج لمجهوداتها، واستطاع العديد منها، كسب مؤيدين وداعمين من خلالها، وإصدار العديد من البحوث والدراسات التي أعدها باحثون عن دور منظمات المجتمع المدني في أغلب الجامعات والمراكز البحثية الليبية، إلا أن هذه البحوث والدراسات ظلت حبيسة الإدراج إلى يومنا هذا. بالرغم من المجهودات الكبيرة التي تبدلها منظمات المجتمع المدني في تقديم خدماتها والتحسن النسبي في التغطية الإعلامية في الأعوام الأخيرة، إلا أن النظرة العامة لدى الجمهور عن نشاطاتها لا تزال ضبابية ويشوبها الكثير من التشويه، خاصةً بما يتعلق بمشاركة المرأة والتواصل مع الجهات الدولية، وهذا الأمر راجع عادةً إلى الضعف المعرفي والإدراكي لأهمية مشاركة المرأة ودور المنظمات الدولية في دعم السلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني على وجه الخصوص، بالإضافة إلى فشل منظمات المجتمع المدني في إصدار التقارير السنوية التي تتعلق بالسلامة المالية، وعدم الشفافية والإفصاح على مصادر تمويلها، مما جعلها دائمًا عرضه للتشكيك، فالمنظمات التي قامت بنشر تقاريرها المالية لا تمثل أي نسبة ملحوظة مقارنة بعدد المنظمات المسجلة في ليبيا، حيث تقوم بتقديم التقارير فقط عندما يكون لزامًا عليها اتمام إجراء مع مفوضية المجتمع المدني، أو عندما يكون الداعم يشترط أن تكون المنظمة ملتزمة بذلك ويعتبره مطلب أساسي للحصول على التمويل، كما أن غياب مشاركتها الحقيقية في برامج التنمية ورسم السياسات، وعدم قدرتها على إبراز جهودها في القضايا المصيرية التي مرت وتمر بها البلاد على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الأمني ساهم في تعزيز الصورة الضبابية عن دورها. بالرغم من التوسع المذهل في حجم ونطاق وقدرات منظمات المجتمع المدني بعد عام 2011، إلا أن جهودها تعتبر غير مرئية لدى العامة، لذلك يجب على منظمات المجتمع المدني أن تعمل بشكل جدي على تحسين صورتها الذهنية واعتماد مدونة سلوك مرجعية لضبط سلوك وأخلاقيات ومعايير عملها على كافة المستويات، بما يحقق درجة عالية من الفاعلية ويعزز من ثقتهم بها، كما يتعين على الدولة أن تتبنى سياسات من شأنها تعزيز مساهمة منظمات المجتمع المدني في التنمية وصنع القرار، وأن تعتبرها شريك رئيسي وليس كمستفيد من الخدمات، فالمسؤولية تكاملية في تعزيز الصورة الذهنية عن منظمات المجتمع المدني الليبية.
النشرة البريدية
التواصل
  •   0922118682
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

بدعم من

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

النشرة البريدية
التواصل
  •    0922118682   
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022