حقوق الليبيين العاملين في منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية

أن من أهم الجوانب الإيجابية لمنظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية من الناحية الاقتصادية، انها وفرت العديد من فرص العمل امام الشباب وفتحت امامهم مساحة واسعة من الحركة والابتكار بعيدًا عن البيروقراطية التي تعاني منها جُل مؤسسات الدولة، فحاليًا تعمل 53 منظمة أجنبية ودولية داخل الأراضي الليبية تنفذ برامجها وتديرها بشكل شبه كامل من خلال العاملين الليبيين، تربطهم بها عقود عمل تختلف بنودها من منظمة لأخرى ومن دولة لأخرى فيما يخص الحقوق والجزاءات والمدة. مع بداية ديسمبر 2019 تم إعداد استبيان الكتروني من قبل مفوضية المجتمع المدني لغرض تحليل واقع العاملين الليبيين، شارك به 59 عامل في المنظمات الأجنبية والدولية، عرضت نتائجه أثناء الندوة التي أقيمت يوم 28/12/2019 بمدينة بنغازي بتنظيم مفوضية المجتمع المدني ومركز وشم لدراسات المرأة ومنظمة مراس للتنمية وبمشاركة عميد كلية القانون ومندوب عن وزارة العمل والتأهيل وبعض الجهات ذات العلاقة، ومجموعة من المختصين والمهتمين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني الليبية والأجنبية، بالإضافة للفئة الأساسية وهي العاملين بالمنظمات الأجنبية والدولية. تناولت الندوة عرض نتائج الاستبيان وتحليله، وتقديم لمحة حول الإطار القانوني للعامليين الليبيين في المنظمات الأجنبية والدولية، ورأي المحكمة العليا في عقود العمل التي أحد أطرافها المنظمات الأجنبية، بالإضافة إلى عرض أبرز توصيات الحضور ومداخلاتهم التي أثرت الندوة. تمثل مشاركة الإناث في الاستبيان 35.60%، والذكور 64.60%، أغلبهم يعملون في المنظمات التابعة لدول الإتحاد الأوربي بـ 45.76%، يليه المنظمات التابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بـ 39%، 15.25% على التوالي. يلتحق الليبيين بالعمل لدى المنظمات الأجنبية والدولية وفق عقود عمل تبرمها المنظمات معهم، وهذه العقود تتفاوت بنودها بين منظمة وأخرى من حيث الحقوق والجزاءات، ولكي نتمكن من معرفة مدى تلبية هذه العقود للحقوق التي يأملها العاملين الليبيين، سألنا المشاركين في الاستبيان عن مدى تلبية عقود عملهم للحقوق التي يعتقدون بأنهم بحاجة لها، حيث أجاب 69% أنها لا تلبي حقوقهم في حين صرح 31% أن عقود العمل لبت كل الحقوق التي يحتاجونها. أن أهم الحقوق التي يجب أن يتضمنها عقد العمل هو تمكين العامل من الاطلاع على لائحة الجزاءات كي لا يقع في أخطاء كان بإمكانه تجنبها إذا ما اطلع مسبقًا على بنودها، فالهدف من لائحة الجزاءات هو حماية العامل من الوقوع في الخطأ وليس انتظار وقوعه فيه. وبالرجوع إلى نتائج الاستبيان فقد صرح 32% من المشاركين أنهم لم يمكنوا من الاطلاع على لائحة الجزاءات، وصرح 31% منهم أنهم تمكنوا من الاطلاع عليها بشكل كامل، في حين أطلع 37% على بعض بنودها فقط. وفي تحليل أعمق للمشاكل الإدارية والمالية التي مر بها 53% من العاملين الليبيين المشاركين في الاستبيان تمحورت اجاباتهم حول (إجازات من دون مقابل (خاصة إجازة الأمومة) – تأخر صرف المرتبات – عدم تكافؤ مرتبات العاملين الليبيين مع نظرائهم من الأجانب – عمل إضافي من دون مقابل مادي – عدم وجود تأمين صحي – عدم قدرة الموظف على التأكد من دفع اشتراكاته الضمانية – إنهاء العقد من دون سابق إنذار – عقد احتكار العامل من قبل المنظمة، حيث صرح بعض العاملين في المنظمات الأجنبية في تونس أن منظماتهم تضع شرط احتكاري عليهم بعدم الالتحاق بأي منظمة أخرى في حال قدم استقالته قبل نهاية عقده يصل إلى سنة كاملة. أن ما عرض من شكاوى إدارية ومالية مر بها العاملين الليبيين في منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية استوجب علينا طرح سؤال عليهم؟ هل يوجد داخل المنظمة جهة يمكنك اللجوء إليها لتقديم تظلماتك الإدارية والمالية؟ أجاب 48% منهم أنه لا يوجد أي جهة يمكنهم اللجوء إليها لتقديم تظلماتهم!!!، في حين صرح 37% منهم أنهم يعلمون الجهة المختصة داخل المنظمة للتعامل مع الشكاوى والتظلمات، وأعرب 15% عن عدم درايتهم بوجودها من عدمه. تعتبر منظمات الولايات المتحدة الأمريكية الأفضل من حيث التعامل مع شكاوى العاملين مقارنة بالمنظمات التابعة للأمم والمتحدة ومنظمات دول الإتحاد الأوربي. أعرب 93% من العاملين الليبيين أنهم لم يلجؤون إلى أي جهة خارجية لتقديم تظلماتهم الإدارية والمالية، وهذا راجع لكونهم لا يعلمون في الأساس من الجهة المختصة في التعامل مع هذه التظلمات، وهذا ما صرح به 80% من المشاركين في الاستبيان، في حين 20% من العاملين يعتقدون أن مفوضية المجتمع المدني هي الجهة المناط بها التعامل مع تظلماتهم. وبشكل عام يرى 58% من العاملين الليبيين في منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية أن عقود عملهم مقبولة بالنسبة لهم، بالرغم من أن 69% منهم صرحوا أن عقودهم لا تمنحهم الحقوق التي يحتاجونها، وهذا التباين ناتج من كون الوظائف التي يعملون بها داخل المنظمات الأجنبية والدولية ذات دخل مجزي مقارنة بدخل الموظفين العموميين، الشيء الذي يجعلهم يفضلون التنازل عن حقوقه مقابل الدخل المرتفع بالعملة الأجنبية. بشكل عام تعتبر حقوق العاملين الليبيين في منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية غير محمية من الممارسات التعسفية وغير مرئية للجهات ذات العلاقة في الدولة الليبية كأجهزة القضاء ووزارة العمل والتأهيل، كما أنها في الأساس غير خاضعة لقانون علاقات العمل الليبي كما هو موجود في عدة دول عربية كتونس والمغرب والأردن وغيرها من الدول التي تفرض أن تكون عقود عمل مواطنيها مع المنظمات الأجنبية خاضعة لقانون العمل. ولكي نفهم بشكل أعمق الإطار القانوني المنظم لعقود العمل استعنا بعميد كلية القانون بجامعة بنغازي الدكتورة سلوى الدغيلي والتي حددت الفرق بين الوظيفية العامة والوظيفة الدولية، وعرفتها على أنها جزء لا يتجزأ من الوظيفة العامة وأن كانت الأخيرة تكون داخل حدود الدولة الوطنية. وأشارت إلى أن التمييز بين الموظف العام، والموظف الدولي، والمستخدم الدولي، والمستخدم المحلي في المنظمة الدولية الحكومية وغير الحكومية يُعد أمر في غاية الأهمية. وأوضحت أن قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 لم ينظم هذه العلاقة لصدوره في فترة تاريخية كانت تحظر في الأساس هذا النوع من الأعمال، فقبل عام 2011 كان منظمات المجتمع المدني تخضع للقانون رقم 19 لسنة 2011 والذي حدد ملامح معينة للمجتمع المدني في تلك الفترة، وكانت الدولة تمسك بزمام التعامل مع المنظمات الدولية بشكل عام وتحدد آلية التعامل معها عن طريق أشخاص يكلفون بمرافقتهم حين قدومهم إلى ليبيا ولحين مغادرتهم. الأصل في القاعدة أن القانون رقم (12) لسنة 2010 الخاص بتنظيم علاقات العمل يطبق على جميع من يؤدي عملًا لحساب الغير، تحت إدارته وإشرافه أيًا كانت طبيعة أو نوع العمل الذي يؤديه. أهم استثناء نص عليه قانون علاقات العمل هو المتعلق بالعاملين الذين تنظم أوضاعهم قوانين أو لوائح خاصة تصدر من الجهة التنفيذية وذلك لتنظيم علاقات في قطاعات معينة أو مؤسسات خاصة ترى تنظيمها بلوائح مستقلة. ومن هنا جاءت لائحة الموظفين بعقود رقم 217 لسنة 2012 وذلك لتنظيم الأوضاع القانونية للموظفين بعقود. حددت المادة رقم (1) من اللائحة رقم 217 المجموعات الوظيفية التي يتم شغلها بطريقة التعاقد مع موظفين بعقود وهي ست مجموعات. ما يهمنا من المادة رقم (1) أنها تذيلت بعبارة (ويجوز إضافة وظائف أخرى بقرار من مجلس الوزراء بناء على عرض من وزارة العمل والتأهيل ويحدد العقد طبيعة العمل، وواجباته، المرتب المستحق للموظف بما يتفق مع جدول المرتبات، وفي جميع الأحوال يجب مراعاة الجهات التي لديها نظام للتعيين بعقود وفقًا للتشريعات المنظمة لذلك. ويهمنا أيضًا المادة رقم (4) من اللائحة والتي نصت (تضع وزارة العمل والتأهيل نموذج لعقد استخدام الموظفين بعقود يتضمن بالإضافة إلى موضوع التعاقد البيانات اللازمة من (شخصية الطرفين – وواجباتهما – وحقوقهما – وأحكام المعاملة الوظيفية). أما عن موقف المحكمة العليا من عقود العمل مع منظمات المجتمع المدني الأجنبية فقد أوضحت الدكتورة ابتسام أبحيح عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، موقف المحكمة العليا من بعض المسائل المتعلقة بعقد العمل الذي يكون أحد اطرافه أجنبي، كما أضحت أيضًا توجه القضاء من مسألة المستخدم أو العامل لدى منظمات المجتمع المدني الأجنبية (N.G.O.S) 1. من حيث تقدير الأجر بالعملة الأجنبية وجوب دفعه بالعملة المحلية سببه أن عقد العمل يخضع لقانون البلد الذي ينفذ فيه العقد باعتبار هذا القانون قواعده آمرة ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو استبعاده من قبل المتعاقدين (طعن مدني رقم 69/34 قضائي جلسة 15/2/1988). 2. القانون الذي يحكم عقد العمل هو القانون الليبي، إلا إذا كان الشرط الذي يخالف القانون الليبي في مصلحة العامل، ويمنحه ضمانات إضافية (طعن مدني رقم 49/15 قضائي، مجلة المحكمة العليا، العدد الرابع، لسنة 1970، صفحة 124). 3. قوانين عقد العمل من النظام العام لا يجوز الاتفاق على غيرها أو مخالفتها، إلا إذا كانت أصلح للعامل، وكان ذلك بشأن قضية تتناول اتفاق على عقد عمل يفسر وينفذ طبقًا للقانون الامريكي فهذا الاتفاق لا يؤثر على اختصاص المحاكم الليبية لنظر النزاع (طعن مدني رقم 67/18 قضائي، مجلة المحكمة العليا، العدد الأول، السنة 1972، صفحة 111). وبناء على كل ما تقدم فإن القانون واجب التطبيق هو القانون الليبي ولا يجوز اتفاق على استبعاده من قبل الاطراف ومن ثم فهو يحكم العلاقة بين العامل وصاحب العمل باعتبار أن قواعده من النظام العام بكافة مسائله بما فيها اسباب فسخ العقد من قبل العامل أو من قبل صاحب العمل وإثبات العقد، كما أن أي اتفاق لا يسحب اختصاص المحاكم الليبية من نظر النزاع. أخيرًا تم تقديم مجموعة من التوصيات ليس فقط لتسليط الضوء على وضع العاملين الليبيين في منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية، بل عرض سبل حماية حقوقهم وتمكين المنظمات الأجنبية والدولية والجهات ذات العلاقة من الاطلاع بشكل أعمق على المشاكل القانونية التي تواجههم وعرض طرق حلحلتها. *على مستوى المنظمات الأجنبية والدولية .فتح قناة مباشرة بين العاملين والمنظمات الأم للتعامل مع تظلمات وشكاوى العاملين داخل فروعها في ليبيا. .العمل بشفافية أكبر فيما يخص تمكين العاملين من الاطلاع على لوائح الجزاءات. *على مستوى وزارة العمل والتأهيل .اعتماد نموذج لعقد عمل الليبيين في المنظمات الأجنبية والدولية وإحالته لمجلس الوزراء للاعتماد. .اقتراح أن تضاف فئة العامليين في المنظمات الأجنبية والدولية إلى لائحة عقود العمل رقم 217 لسنة 2012 وإحالته إلى مجلس الوزراء للاعتماد. . انشاء مكتب خاص باستقبال شكاوى وتظلمات العاملين الليبيين في المنظمات الأجنبية والدولية وتشجيعهم على اللجوء للقضاء الليبي.
النشرة البريدية
التواصل
  •   0922118682
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

بدعم من

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

النشرة البريدية
التواصل
  •    0922118682   
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022