المرأة في المجتمع المدني (القيادة والتأسيس)

لا يخفى على أحد أن ثورة فبراير 2011 منحت للمرأة الليبية مساحة واسعة للمشــاركة في الحياة العــامة، وشجعتها على الإنخراط في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيما مـن خلال منظمات المجتمع المدني، التي أصبحت أداء مهمة لها للدفاع عن حقوقها والتعبير عن أفكارها وتطلعاتها، ومن أجل ذلك مرت بالعديد من التحديات والصعوبات بدايةً من التشويه المتعمد لصورة المرأة الناشطة في المجتمع المدني لتصل إلى حد التهديد والتهجير والقتل، مما سبب في إنخفاض معدلات إنخراطها بمنظمات المجتمع المدني والتي لا تتجاوز 20% مقارنة بالرجل، وبالرغم من كل ذلك فهي موجودة بكثافة في مجموعات الضغط والتأثير في القضايا التي تمسها وقضايا الرأي العام. المشاركة في تكوين الكيانات المدنية مشاركة المرأة في تأسيس منظمات المجتمع المدني يوحي إلينا حس المواطنة لديها، ويعكس إصرارها الدؤوب على الدفاع عن حقوقها والتأثير في السياسات العامة وعلى متخذي القرار، وهـذا الإصـرار اتضح من خلال النشـاط الملحـوظ للمنظمات النسائية وتميز المرأة الليبية كمؤسِّسة وقـائدة للعديد من منظمات المجتمع المدني، فهي تقود 19% من الكيانات المدنية في ليبيا. تتفاوت نسب انخراط المرأة الليبية في الحياة المدنية بين المدن، فالمرأة في الجنوب الليبي تعتبر أكثر إنخراط مقارنة بمدن الشرق والغرب، وهذا راجع إلى العادات والتقاليد داخل كل مدينة، فالمدن التي تشهد طابع قبلي عادةً ما تكون بها حركة المرأة وانخراطها بمنظمات المجتمع المدني مقيدة من حيث النظرة العامة حول المجتمع المدني وغياب الثقافة حول أهميته، بالإضافة إلى صعوبة تنقل المرأة داخل المدن وخارجها، فبعض المدن لم تشهد أي مشاركة تذكر للمرأة في مجال المجتمع المدني. قضايا ومجالات الاهتمام من الناحية الرسمية كانت مجالات اهتمام المرأة المنخرطة بمنظمات المجتمع المدني مرتبة كالتالي الأعمال الخيرية، شؤون المرأة والطفل، الخدمة الاجتماعية، الثقافة والفنون، القانون وحقوق الإنسان، المجال التوعوي، التعليمي، التنموي، الصحي إلا أن القضايا التي كانت تشغل المرأة خلال عملها بمنظمات المجتمع المدني هي التمكين السياسي، التمكين الاقتصادي، التوعية بالحقوق، المساواة بين الجنسين، والمصالحة الوطنية. يعتبر التمكين السياسي أكثر القضايا التي شغلت اهتمام المرأة الليبية بعد عام 2011 والذي لاقت به الكثير من الدعم والمساندة من المنظمات الأجنبية والدولية، ولعل أول نجاحاتها في هذا المجال كان من خلال مجموعة من المنظمات النسائية التي نجحت في زيادة التمثيل السياسي للمرأة بمقاعد المؤتمر الوطني العام. لم يقل التمكين الاقتصادي أهمية عن التمكين السياسي، ومن أجل ذلك أسست المرأة الليبية العديد من منظمات التمكين الإقتصادي للمرأة، عملت من خلالها على دعم المشاريع النسائية خاصة للنساء ذات الدخل المحدود، وتقديم التدريبات في مجال ريادة الأعمال وأنشئت حاضنات الأعمال للحفاظ على استدامة المشاريع ونجاحها، وكانت سبب في تحسين الوضع الإقتصادي للعديد من النسوة الطموحات وذات الدخل المحدود. المساواة بين الجنسين من أكثر القضايا حساسية، واجهت من خلالها المرأة الليبية العديد من الصعوبات سواء من ناحية تلكؤ المسؤول أو من حيث الضغوطات الاجتماعية، وكان مدخل لتشويه المرأة المنخرطة بالمجتمع المدني، بل ربما كان من أسباب اغتيال العديد منهن. دائما ما تربط عملية المصالحة في ليبيا بشيوخ القبائل وأعيان المدن، إلا أن هناك أمثلة رغم قلتها إلا إنها كانت مؤثرة على صعيد الإصلاح بين الليبيين، منها المصالحة بين مدينة مصراتة وتاورغاء والتي بدأنها أثنتان من النسوة الناشطات في المجتمع المدني من المدينتين، كانت خطوة ساهمت في تحريك الجمود وشجعت الراغبين في المصالحة من الطرفين على المشاركة، حيث اثمرت هذه الجهود على توقيع اتفاق المصالحة بين مصراتة وتاورغاء بعد أعوام طويلة من الصراع. التحالفات والشبكات النسائية تعتبر تشكيل التحالفات والائتلافات المبنية على القضايا وتنفيذ حملات المناصرة واسعة النطاق، هي الأداء المثلة التي استخدمتها المرأة الليبية للتأثير في القضايا التي تهمها، خاصة خلال الأعوام الأولى للثورة الليبية مطلع عام 2011، إلا أن خلال العوام الأخيرة قل زخمها وضعف تأثيرها لعدة أسباب أهمها الإنقسام السياسي والوضع الأمني الصعب وعدم الوعي بأهمية تشكيل التحالفات على المستوى الوطني، والاختلاف في وجهات النظر النسوية المتأثرة بالوضع السياسي السائد. القدرة على توفير الموارد قدرة المرأة الليبية على توفير الموارد للبرامج والمشاريع ترتبط بمدى امتلاكها لأدوات التواصل مع الداعمين المحليين والدوليين، والذي في الأساس يحدده نوع النشاط أو القضايا التي تعمل من خلالها، فالنساء الناشطات في المجال الخيري والإنساني يتفاعل معها القطاع الخاص بشكل أكبر، كونه يقدم الدعم من باب الزكاة والصدقات، أما دعم القضايا ذات الطابع الحقوق والتنموي فيتفاعل معها الداعم الدولي بشكل أكثر مرونة كون جُل المنظمات الأجنبية والدولية تضع هذين المجالين من أولوياتها. هذا لا يعني أن الدعم متوفر بطريقة سهلة بل يمر بصعوبات وعراقيل كثيرة، فالداعم المحلي عادة ما يكون إدراكه لأهمية وجود منظمات المجتمع المدني محدود مقارنة بالداعم الأجنبي أو الدولي، كما أنه يفضل دعم المنظمات الخيرية على أي مجال أخر، بالإضافة إلى أن المتطلبات التي يشترطها قد تخرج عن نطاق عمل المنظمة ونوعية برامجها، أما عن الصعوبات التي تواجهها في الحصول على الموارد من الدعم الأجنبي أو الدولي فتثمتل في النقاط التالية: 1. صعوبة التواصل ومعرفة فرص الدعم المتاحة. 2. صعوبة كتابة مقترحات المشاريع وتلبية كل الشروط المطلوبة لضعف البناء الداخلي للكثير من المنظمات. 3. قلة الفرص المتاحة أمام المنظمات حديثة التأسيس مقارنة بالمنظمات التي تمتلك الخبرة كون الداعم الأجنبي أو الدولي يفضل العمل مع المنظمات التي تمتلك خبرة سابقة في العمل خاصة مع المنظمات الأجنبية أو الدولية. الصورة الذهنية لاتزال الصورة الذهنية عن المرأة المنخرطة بمنظمات المجتمع المدني يشوبها الكثير من التشويه، نتيجة لعدة عوامل ذكرناها سالفًا يضاف إليها وسائل الإعلام التي ساهمت في رسم هذه الصورة الضبابية لدى العامة ليس فقط على المرأة بل على نشطاء المجتمع المدني من الجنسين، مما جعل فرص المرأة أقل من فرص الرجل في معدل الانخراط بمنظمات المجتمع المدني، وكانت سبب في حرمان العديد من النسوة من التعبير عن أفكارهن وتطلعاتهن، وحدت من حركتهن في الدفاع عن القضايا التي تمسهن، وقلل فرص استفادتهن من برامج بناء القدرات، خاصة إذا ما كانت هذه البرامج تستلزم تنقل بين المدن أو سفر للخارج. على خلاف النظرة المحلية عن المرأة المنخرطة بالمجتمع المدني فإن نظرة المنظمات الأجنبية والدولية للمرأة الليبية بها الكثير من الثقة، فيها شريك للعديد من المنظمات النسائية التي تنفذ من خلالها البرامج والمشاريع المشركة في ليبيا، كما أن المنظمات الأجنبية والدولية التي تعتبر معايير التوظيف لديها تتطلب الكثير من المعرفة والمهارات، تعتمد بشكل أساسي على المرأة الليبية كموظفة وجزء من فرق العمل، لجودة عملها في تنفيذ وإدارة المشاريع، فكيف بنا لا نمنح الفرصة أمامها للمساهمة في بناء الدولة، والدولة اليوم في امس الحاجة لاستثمار قدراتها.
النشرة البريدية
التواصل
  •   0922118682
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

بدعم من

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

النشرة البريدية
التواصل
  •    0922118682   
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022