المجتمع المدني بين غياب القانون وتقاطع الهيمنة

المجتمع المدني بين غياب القانون وتقاطع الهيمنة د. عبير امنينه شهد المجتمع المدني إبان تغيير النظام السياسي عام 2011 طفرة جمعياتية ، تمظهرت في زيادة عدد حالات التسجيل لمنظمات كثيرة متباينة الانشطة والأهداف، ناهز عددها في السنة الأولى ما مجموعه (411) منظمة تقريباً . ولقد أوكلت إلى وزارة الثقافة والمجتمع المدني تحت إشراف المكتب التنفيذي والحكومة الانتقالية لاحقاً عملية تسجيل المنظمات، إلى أن تم بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (12) لسنة 2012 تأسيس مركز دعم المجتمع المدني (1) ، وتسمية مجلس إدارته بتاريخ 7/2012 الذي اضطلع بهذه المهام، إلى أن صدر قرار مجلس الوزراء رقم 649/2013 بتعديل اسم المركز إلى مفوضية المجتمع المدني، مانحاً لها الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة. ولقد اوكل إليها مهام تسجيل و دعم منظمات المجتمع المدني فنيًا وتقنيًا ولوجستيًا، فضلاً عن تنظيم عمل المنظمات الدولية التي ترغب بالعمل في ليبيا بالتنسيق مع الجهات المختصة وفق القوانين واللوائح المعتمدة. ولقد تم إصدار اللوائح الداخلية لتسجيل وتنظيم عمل المنظمات المحلية والدولية من قبل المفوضية، إلا إنها ظلت دون اعتماد من قبل مجلس الوزراء نظراً للانقسام السياسي ،الذي ترك اثاراً وخيمة على إدارة كافة المؤسسات في ليبيا ، وتم اعتمادها فقط من قبل مجلس إدارة مفوضية المجتمع المدني، قبل أن يتم تأسيس مفوضية موازية من قبل المجلس الرئاسي سنة 2018 (بموجب القرار رقم 1605)، اضطلعت بالاختصاص ذاته في تنظيم منظمات المجتمع المدني في الغرب وجزء من الجنوب أيضاً. ولقد اعتمدت نظام أساسي جديد ينظم عمل المنظمات المحلية والدولية ويشرف على تسجيلها، مع الإشارة إلى إنه حتى تاريخه لم يتم إلغاء القانون رقم (19) لسنة 2001 للجمعيات الأهلية الصادر عن النظام السابق، ولا القانون 23 لسنة 1998 للنقابات والاتحادات والروابط المهنية، ولم يتم كذلك تجميدهما، الأمر الذي خلق فوضى قانونية اربكت عمل المفوضية، واثرت على علاقتها مع المنظمات الدولية والمحلية واطراف العلاقة ، سيما فيما يتعلق بتسجيل الاتحادات النسائية والطلابية . ولقد تعزز هذا الإرباك بسن بعض التشريعات والقرارات الصادرة ،اٌعتبرت نوع من التدخل في المفوضية والمساس باختصاصها الأصيل؛ نشير في هذا الشأن إلى اللائحة التنفيذية للقانون (59) لسنة 2012 لنظام الإدارة المحلية ،احتوت على فقرات كرس بعضها التعدي على اختصاص عمل المفوضية؛ فلقد اشارت المادة (92) من اللائحة إلى إن البلدية تعمل على تفعيل عمل مؤسسات المجتمع المدني، وتسهل إجراءات حصولها على التراخيص اللازمة لمزاولة اختصاصاتها، ومساعدتها على القيام برسالتها على الوجه المطلوب دون التدخل في شؤونها، وتوفير الظروف الملائمة لمشاركة المواطن مع مؤسسات المجتمع المدني بما يحقق تفعيل العمل المحلي، ولها على الاخص ما يلي(2) : – اقتراح وتنفيذ الخطط والبرامج التي من شأنها تفعيل مؤسسات المجتمع المدني. – اتخاذ ما يلزم من إجراءات لإشهار مؤسسات المجتمع المدني بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة وفق التشريعات النافذة . – تسجيل منظمات المجتمع المدني وتوثيقها، ومتابعة بياناتها وانظمتها وفق آلية تعد بالخصوص. – المشاركة مع مؤسسات المجتمع المدني ومساعدتها في تنفيذ البرامج التوعوية ،والمؤتمرات والندوات ،وورش العمل، وتقديم الدعم والمشورة لها. ولا يخفي على أحد ما سببته هذه الاختصاصات من تداخل بين عمل مكتب الثقافة والمجتمع المدني الموجود في البلديات (بموجب قرار وزير الحكم المحلي في الحكومة الليبية المؤقتة رقم (233) لسنة2014 ) (3)، وبين المكاتب التابعة لمفوضية المجتمع المدني بفروعها المختلفة في ذات النطاق الجغرافي. في السياق عينه ، نُشير إلى القرار رقم (1237)لسنة 2013 ، بشأن التنظيم الداخلي لوزارة الخارجية والتعاون الدولي، الذي أوكل بموجب المادة (21 ) إلى إدارة منظمات المجتمع المدني جملة من الاختصاصات ،كرست بدورها الهيمنة عينها على اختصاصات المفوضية التي تأتي على رأسها: – المساهمة في التعريف بدور منظمات المجتمع المدني في العملية التنموية و الديمقراطية مع ضمان استقلاليتها. – تطوير قاعدة بيانات منظمات المجتمع المدني الوطنية بالتعاون مع الجهات الحكومية والاهلية ذات العلاقة. – ربط منظمات المجتمع المدني الوطنية مع نظيراتها في البلدان الاخرى – المساهمة في خلق تواصل فعال مع المنظمات الاجنبية – المشاركة في المؤتمرات المحلية والاقليمية وورش العمل بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة. – التقصي والمتابعة والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتقييم منظمات المجتمع المدني الاجنبية بما يخدم المصلحة. وتؤكد هذه الاختصاصات على ما ورد في قرار مجلس الوزراء رقم 214) ) لسنة 2012 باعتماد الهيكل التنظيمي، واختصاصات وزارة الخارجية والتعاون الدولي وتنظيم جهازها الإداري، الذي اوكل إلى وزارة الخارجية القيام أيضاً من خلال إدارة المنظمات الدولية بما يلي : 1. المساعدة في إيجاد علاقات بين منظمات المجتمع المدني الليبي ومثيلاتها في الدول الأخرى. 2. تفعيل جمعيات الصداقة القائمة ،واقتراح إنشاء جمعيات أخرى مع الدول. 3. استقبال أية مقترحات من منظمات المجتمع المدني، ودراستها ،وإحالتها إلى وجهتها في الدول الأخرى وبالعكس. 4. التنسيق مع الجهات المعنية في مجال تعزيز مفاهيم الديمقراطية والحقوق المدنية، والحكم الرشيد وتحقيق العدالة الانتقالية من واقع الخبرات الدولية المكتسبة في هذا المجال. 5. التنسيق مع وزارة الثقافة والمجتمع المدني فيما يتعلق بالمؤتمرات والندوات ذات الصلة. 6. إعداد الدراسات والخطط التي من شانها إيجاد علاقات وثيقة بين منظمات المجتمع المدني الليبية ومثيلاتها في الخارج) . وهنا يتوجب إعادة النظر في هذا القرار ونقل هذا الاختصاص إلى المفوضية ، لتبقى علاقة وزارة الخارجية مع المنظمات الدولية والاقليمية، مقتصرة على المنظمات غير الحكومية والاقليمية بكل وكالاتها المعتمدة في ليبيا ، وفقاً لما أشارت إليه (المادة 14 من القرار) المتضمنة للتالي: 1. متابعة شؤون منظمة الامم المتحدة، وأجهزتها، والوكالات التابعة لها والمجالس واللجان المنبثقة منها، والمؤتمرات والندوات المنعقدة في إطارها. 2. التنسيق بشان تشكيل الوفود للمشاركة في المؤتمرات والاجتماعات التي تعقد في نطاق الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية الأخرى والمشاركة فيها، والإشراف أيضاً على نشاط وفود ليبيا بهذه الاجتماعات، وإعداد التوصيات والمداخلات، وتزويد الوفود فيها بالملاحظات اللازمة بالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة. 3. دراسة مشاريع القرارات المتعلقة بالقضايا مثار البحث، واقتراح المواقف المناسبة حيالها بما يحقق أهداف ومصالح ليبيا الوطنية. 4. متابعة الترشيحات الدولية واقتراح الموقف منها، وبحث إمكانيات وفرص ترشح ليبيا لرئاسة وعضوية الأجهزة والهيئات الدولية. 5. تقديم التسهيلات إلى بعثات ومكاتب الأمم المتحدة ووكالاتها المعتمدة لدى ليبيا. 6. التنسيق والمتابعة المستمرة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا، وربطه بمختلف الوزارات والمؤسسات الليبية بما يحقق أهداف التنمية والتطوير في شتى المجالات. 7. إعداد التقارير والردود المطلوبة من أجهزة الأمم المتحدة والمجالس واللجان التابعة لها حول القضايا ذات الصلة بليبيا، والمسائل الدولية الأخرى، وذلك بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة. 8. متابعة تنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات التي انضمت إليها ليبيا، وتقديم تقارير دورية بشأنها 9. متابعة أعمال بعثات ليبيا لدى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الدولية الأخرى، والتنسيق معها في كافة المسائل التي تتابعها في إطار أنشطة تلك المنظمات. ولقد لحق الارباك عمل مفوضية المجتمع المدني ذاتها ،حيث أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق كما أسلفنا الذكر “القرار 1605” لسنة 2018،القاضي بإعادة تنظيم عمل المفوضية ونقل تبعيتها لمجلس الوزراء ، مما ادى إلى وجود جسمين موازيين لمفوضية المجتمع المدني ، وإحداث ازدواجية في الإجراءات المتبعة عند تسجيل المنظمات خاصة الدولية منها ، التي اضطرت في كثير من الاحوال إلى إتمام إجراءات تسجيلها لدى المفوضتين. إن تنظيم المجتمع المدني بشكل قانوني، يمًكن المنظمات من العمل في سياق مؤسسي سليم ، يتطلب أتخاذ جملة من الإجراءات أهمها :إلغاء القانون رقم (19) لسنة 2001 للجمعيات الاهلية، الصادر إبان النظام السابق، والذي يربط إشهار الجمعية على مستوى البلاد بقرار من أمانة اللجنة الشعبية العامة (مجلس الوزراء)، وكذلك إشهار نظام الجمعية على مستوى الشعبية(البلدية) بقرار من اللجنة الشعبية للشعبية( المجلس البلدي)، ويقيد الإشهار في الحالتين في السجل المعد لهذا الغرض. والأمر عينه بالنسبة للقانون (23) لسنة 1998 بشأن النقابات والاتحادات والروابط المهنية، والقانون (20) لسنة 1999 بشأن تنظيم الجمعيات النسائية، حيث أكد الاعلان الدستوري المؤقت على استمرارية القوانين الصادرة أيام النظام السابق وفقاً للمادة (35)، التي نصت بدورها على استمرارية العمل بجميع الأحكام المُقررة في التَّشريعات القائمة، فيما لا يتعارض مع أحكام هذا الإعلان إلى أن يصدر ما يُعدلها أو يُلغيها. وكل إشارة في هذه التشريعات إلى ما سُمِّي بـ (المؤتمرات الشعبية) أو (مؤتمر الشعب العام) إلى المجلس الوطني الانتقالي المؤقت أو المؤتمر الوطني العام، وكل إشارة إلى ما سُمِّي بـ (اللجنة الشعبية العامة) أو (اللجان الشعبية)، تعتبر إشارة إلى المكتب التنفيذي أو أعضاء المكتب التنفيذي، أو الحكومة أو أعضاء الحكومة كل في حدود اختصاصه، وكل إشارة إلى (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى)، تعتبر إشارة إلى ليبيا، الأمر الذي يعني استمرارية نفاذ القانون وفقاً للتعديلات المضافة على أسماء الجهات ذات العلاقة . كما يتوجب العمل على إحياء مشاريع القوانين السابقة المنظمة لعمل المجتمع المدني، التي تم تقديمها إلى السلطة التشريعية ،سواء خلال فترة المؤتمر الوطني العام أو مجلس النواب وذلك لاعتماد قانون مناسب لعمل المجتمع المدني يضمن حريته واستقلاليته في مواجهة السلطة ، حيث سيكون هذا كافياً للقضاء على التعدد في الجهات المنظمة لعمل المجتمع المدني، فضلاً عن تنظيم عملية تسجيل المنظمات ودعمها. إلا إن المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمر بها ليبيا ، تجعل من عملية إصدار تشريعات جديدة ليس من الأولويات في هذه المرحلة من المخاض السياسي ، ويمكن الاكتفاء مبدئياً بتعديل اللائحة التنفيذية للقانون (59) لنظام الإدارة المحلية فيما يخص إيلاء اختصاص تسجيل المنظمات للبلدية والاشراف عليها. وكذلك القرارات المتعلقة بتنظيم وزارة الخارجية التي وضعت بموجبها اليد على صميم عمل المفوضية . كما يتوجب توحيد المفوضية من الانقسام الهيكلي الذي تعرضت له ، ونقل تبعيتها إلى السلطة التشريعية لتكون بمنأى عن أي تدخل من قبل السلطة التنفيذية بكافة مستوياتها لتنظيم مؤسسات المجتمع المدني، ليتسنى لها القيام بمهام ها الحقيقية في دعم وتنظيم منظمات المجتمع المدني، لتكون رافداً حقيقياً في مجال التنمية والحوكمة ومقارعة الفساد .. (2).. اللائحة التنفيذية للقانون 59 لنظام الادارة المحلية لسنة 2012 ………. (1) المصدر https://security-legislation.ly/ar/node/34703 ….. (3) https://drive.google.com/drive/folders/0B0NDxR7iRMwvY3ItMnZBVnNUVnM?fbclid=IwAR0IVRV0bjO_I6AhYfNs7A7xAycekqr3Tn5IZLpbuoTgu-lJMt3C3f-5Ih8 ………….. (4) https://security-legislation.ly/index.php/ar/node/33179 ………… (5) https://www.afrigatenews.net/article/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-ال%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A/
النشرة البريدية
التواصل
  •   0922118682
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

بدعم من

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

النشرة البريدية
التواصل
  •    0922118682   
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022