الدولة والمجتمع المدني في ليبيا (زاهي المغيربي)

الدولة والمجتمع المدني في ليبيا مقدمة شهد مفهوم المجتمع المدني نهضة واهتماما ضن الخطاب التنموي خلال العقد الأخير من القرن العشرين، حيث اُفترض أن للمجتمع المدني الدينامي النشط دورا إيجابيا في تعزيز احتمالات التنمية، إلى جانب كونه عنصراً مهماً في عمليات الدمقرطة. من ناحية أخرى، عندما أدت “الموجة الثالثة” من الحركات الديمقراطية إلى إسقاط نظم الحكم التسلطية واحدة تلو الأخرى في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، اكتسب مفهوم المجتمع المدني اهتماما فكرياً متزايداً بوصفه متغيرا تفسيريا وفكرة معيارية في الوقت ذاته. وهكذا، برز المجتمع المدني كوسيلة وأداة لمقاومة الحكم التسلطي، من خلال التوكيد على نظام أخلاقي جديد، ومن خلال تأسيس قيم الاستقلالية والحرية الفردية. (Howell, pp. 4-5) تهتم هذه الورقة بتطور منظمات المجتمع المدني وعلاقاتها بالدولة في ليبيا خلال العقود السابقة لانتفاضة 2011. وتنطلق هذه الدراسة من افتراض أن طبيعة العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني في ليبيا تعكس النموذج الكوربورتاري الذي يعني ذلك النمط من العلاقة الذي تهيمن فيه الدولة على منظمات المجتمع المدني وتخضعها لسيطرتها، وبالتالي تفقد هذه المنظمات استقلاليتها وحرية حركتها. القسم الأول: مفهوم المجتمع المدني وإشكالياته المجتمع المدني وثيق الصلة بالثقافة الغربية ويضرب بجذوره في أصولها القديمة وتنعكس على مدلولاته خبراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبرز ذلك من خلال المدارس الفكرية التي تبلورت على أساس هذه الخبرات. ومن أهم الذين ساهموا في صياغة مفهوم المجتمع المدني مفكرو العقد الاجتماعي، ودي توكفيل، وهيغل، والمفكرون الماركسيون، وخصوصا المفكر الإيطالي غرامشي. أما الأدبيات المعاصرة في علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي وعلم السياسة، فإنها تستعمل مفهوم المجتمع المدني بدلالات تتجاوز إرثه الليبرالي الكلاسيكي، كما تتجاوز استعمالاته الماركسية العقائدية، وذلك بالصورة التي تحدد له معاني إجرائية تساعد على الفهم والتواصل. وتتفق معظم التعريفات، ولو بصياغات مختلفة، على أن المجتمع المدني هو: “مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والخلاف” (سعد الدين إبراهيم، صفحة 5). ونرى، من خلال هذا التعريف، أن مفهوم المجتمع المدني ينطوي على ثلاثة أركان أساسية: (سعد الدين إبراهيم، صفحات 5-6). الركن الأول: الفعل الإرادي الحر: فالمجتمع المدني يتكون بالإرادة الحرة لأفراده. ولذلك فهو يختلف عن “الجماعات القرابية ” مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة، ففي الجماعة القرابية لا دخل للفرد في اختيار عضويتها، فهي مفروضة عليه بحكم المولد أو الإرث. والمجتمع المدني يختلف أيضا عن الدولة التي تفرض جنسيتها أو سيادتها أو قوانينها على من يولدون أو يعيشون على إقليمها الجغرافي دون قبول مسبق منهم. وينضم الأفراد إلى تنظيمات المجتمع المدني من أجل تحقيق مصلحة مادية أو معنوية أو الدفاع عنها. الركن الثاني: التنظيم الجماعي: فالمجتمع المدني هو مجموعة من التنظيمات، كل تنظيم فيها يضم أفرادا أو أعضاء اختاروا عضويته بمحض إرادتهم الحرة ، ولكن بشروط يقبلها من يؤسسون التنظيم أو ينضمون إليه في ما بعد. ولكن يبقى أن هناك “تنظيما”، وأن هذا التنظيم هو الذي يميز المجتمع المدني عن المجتمع عموما. فالمجتمع المدني هو الأجزاء المنظمة من المجتمع العام. الركن الثالث: الركن الأخلاقي والسلوكي: ينطوي على قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين، وعلى حق الآخرين في تشكيل منظمات مجتمع مدني تحقق وتحمي مصالحهم المادية والمعنوية وتدافع عنها، والالتزام في إدارة الخلاف داخل وبين منظمات المجتمع المدني بعضها البعض، وبينها وبين الدولة، بالوسائل السلمية المتحضرة، أي بقيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي. هكذا نرى أنه على الرغم من تعدد الإسهامات في صياغة مفهوم المجتمع المدني، فإنه يمكن القول إن هناك عناصر مشتركة يتفق حولها جميع الذين تحدثوا عن المجتمع المدني في إطار الثقافة الغربية، ومن أهم هذه العناصر: أن وجود المجتمع المدني يقوم على الرضا والاختيار من جانب الأفراد الداخلين فيه؛ وأنه يتضمن وجود طبقات ومنظمات ومؤسسات تتمايز عن الدولة من أهمها الأحزاب السياسية والاتحادات المهنية والنقابات العمالية والجمعيات والنوادي والتنظيمات التطوعية؛ وأن الانتماء إلى المجتمع المدني يقوم على المساواة، والسلطة التي تمارسها الدولة في مواجهة هذا المجتمع ليست سلطة تعسفية، وإنما هي سلطة تخضع لقيود وضوابط، والالتزام بهذه القيود والضوابط هو أساس شرعية الدولة. غير أن تعريف المجتمع المدني بأنه مجال من الروابط غير الإرثية وغير الأولية المنظمة تنظيما رسميا، وأنه مجال منفصل ومستقل يختلف عن السوق في عدم سعيه للربح وعن الدولة في كونه غير سلطوي، وأنه مرتبط بالدمقرطة تعرض لانتقادات نظرية وإمبيريقية قوية ومقنعة في كثير من الأحيان. 1. إشكالية الترابط الرسمي إن تعريف المجتمع المدني الذي يركز على الروابط والمنظمات الرسمية الحديثة التي تنخرط في العمل العام وتتعامل مع الدولة على المستوى الوطني، يخلق نظرة ضيقة ومحدودة للسياسة تتجاهل التأثيرات المتشابكة للطبيعة الإثنية والجندرية على العمليات السياسية، وتتجاهل الأهمية المحتملة والممكنة لطرق الترابط الأقل رسمية في إحداث التغير الاجتماعي والسياسي. فهذا التعريف لا يميز منظمات المجتمع المدني عن الدولة فحسب، ولكنه يميزها أيضا عن العدد الضخم غير المتبلور من الروابط غير الرسمية والإرثية والأولية، بافتراض أن المنظمات والروابط “الحديثة “تتجاوز في أهدافها وأفعالها أي ارتباطات أولية وإرثية، وتقوم بتعبئة المواطنين حول مصالح مشتركة ذات طبيعة مهنية أو اقتصادية أو خيرية، وتقوم باجتذاب الأفراد من الحياة الخاصة إلى الحياة العامة. إن هذا التصور للمجتمع المدني مشتق جزئيا من الافتراض التحديثي الضمني بأن الأشكال الترابطية الأولية والإرثية لا تجسد التقليدية والتخلف واللاعقلانية فحسب، ولكنها أيضا تعرقل تشكيل وفعالية جماعات المصالح التي قد تدفع نحو المزيد من خضوع الدولة للمساءلة. (Howell, pp. 13-14) إن النزعة نحو محو وإلغاء الخصائص الأولية والإرثية للمؤسسات “الحديثة” ظاهريا يؤدي إلى فهم مشوه للديناميات الاجتماعية للعمليات السياسية. فالميول الطبقية والإثنية والجندرية والدينية والإيديولوجية والشخصية تتغلغل جميعها في منظمات المجتمع المدني، مثل تغلغلها في الدولة. إن تخيل عدم وجود انشقاقات وتشققات قبلية وإثنية وسياسية داخل المجتمع المدني يعمل على تعزيز فكرة المجتمع المدني المنسجم المتناغم في مواجهة دولة المحسوبية والتعسف، ويفشل في إدراك الديناميات المعقدة والمتشابكة لعمليات التغير الاجتماعي والسياسي. إن التصورات المفهومية للمجتمع المدني، والتي تحدده في إطار المنظمات الرسمية، تؤدي إلى استبعاد طرق الترابط الأقل رسمية عند تحليل التحولات السياسية والاجتماعية. غير أن أهمية الروابط والعلاقات الأولية والإرثية تبرز بصورة أوضح في السياقات التي تقيد فيها سياسات الدولة الروابط الرسمية، حيث توفر التجمعات غير الرسمية والمناسبات الاجتماعية المختلفة ساحات مهمة للمناقشات السياسية ولتوكيد الهويات الاجتماعية والسياسية. لذلك، فإن الارتباطات والأشكال الإرثية والأولية قد تكون، في مثل هذه السياقات، أكثر أهمية وفعالية من المجتمع المدني المنظم رسميا الذي يتصوره ويشجعه العلماء الاجتماعيون. فالتصور الليبرالي الديمقراطي الغربي للمجتمع المدني، الذي يستند على فكرة الفرد المستقل العقلاني، ليست له صلة بواقع معظم بلدان العالم الثالث، حيث تتداخل الهوية الشخصية مع الهويات الاجتماعية ووفقا للعلاقات القرابية والعشائرية والقبلية. بدلا من ذلك، وإذا أردنا أن يكون المجتمع المدني مفيدا كأداة مفهومية تحليلية لفهم السياسة في العالم الثالث المعاصر، فيجب إعادة صياغته بحيث يشمل جميع الهويات الجماعية، الإرثية منها والحديثة، وجميع الروابط، الرسمية منها وغير الرسمية، على حد سواء. Fatton, pp . 71-73)) 2. إشكالية المجالات المنفصلة والمستقلة إلى جانب احتضان مفهوم المجتمع المدني ومنحه شرعية خطابية ومضمونا مؤسسيا، فلقد تعرضت الأدبيات الاجتماعية والسياسية لطبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة والسوق؛ ونظرت إلى الدولة والمجتمع المدني والسوق باعتبارها مجالات منفصلة ومستقلة؛ وافترضت أنه من خلال العمل كضابط وكابح للدولة والسوق، ومن خلال كونه ساحة للمشاركة النشطة للمواطنين في الشؤون العامة، فإن المجتمع المدني يقوم بدور مهم في تحقيق وتعزيز عملية التحول الديمقراطي. غير أن هذه الافتراضات والتصورات تعرضت لانتقادات حادة ولشكوك قوية حول مصداقيتها وصحتها النظرية والإمبيريقية. حيث يرى البعض إن تخيل وجود “ثالوث مقدس”، تشكل فيه الدولة والمجتمع المدني والسوق وحدات متمايزة ومستقلة تعمل بانسجام وتناغم لتحقيق هدف مشترك، يحمل في طياته رؤية معيارية حول ما يجب أن تكون عليه العلاقات بين هذه العناصر الثلاثة أكثر من كونه تصويرا صحيحا لما هو موجود في أرض الواقع. (Howell, P.8) من ناحية أخرى، سلطت الانتقادات الماركسية والماركسية المحدثة للدولة الديمقراطية الليبرالية الضوء على طبيعتها الطبقية، وتحدّت بقوة فكرة المجالات المنفصلة والمتمايزة والمستقلة للدولة والمجتمع المدني. واعتبرت أن هذا الفصل والتمايز المؤسسي المفترض بين الدولة والسوق والمجتمع المدني يخفي القوى التحتية الضمنية للرأسمالية التي تمنح هذه المجالات وحدتها الوظيفية والنظامية. كما أنها ترى أن التحليلات التي تفتت المجتمع المدني إلى العديد من المؤسسات والمنظمات لا تتجاهل دور هذه المؤسسات والمنظمات في إعادة إنتاج الرأسمالية فحسب، ولكنها تقلل أيضاً من درجة الصراع والتنافس داخل المجتمع المدني ذاته. كذلك، فقد أشارت الدراسات التي قامت بتحليل دول أفريقيا جنوب الصحراء، إلى انتشار وتغلغل علاقات المحسوبية التي تعمل على ربط المصالح الاجتماعية بشكل وثيق مع بنى ومؤسسات الدولة، إلى جانب أن تمويل الحكومة والشركات الرأسمالية للمنظمات غير الحكومية يثير تساؤلات وشكوكا كثيرة حول الاستقلالية المفترضة للمجتمع المدني، وحول وضوح وتمايز الحدود المفترضة بين أركان الثالوث. (Wood,1990) كذلك، فإن فكرة الانسجام والتناغم بين الدولة والسوق والمجتمع المدني تتجاهل الأهداف المتناقضة للمجالات الثلاثة، كما تتجاهل الصراعات الفعلية والمحتملة. إن أهداف وقيم فواعل السوق والدولة والمجتمع المدني مشحونة بالتوترات والتناقضات، التي قد لا يمكن دائما توظيفها بالطرق التي تؤدي إلى تعزيز المجتمع المدني أو الديمقراطية أو الاستقرار. ففي الوقت الذي قد ترحب فيه الدولة بمنظمات المجتمع المدني التي تؤمّن الخدمات الاجتماعية، على الأقل من أجل تخفيض نفقات هذه الخدمات، فإنها قد تعمل على تقييد وقمع المنظمات التي تتحدى سياساتها أو شرعيتها. بالمثل، ففي الوقت الذي قد تُسهم فيه الشركات الرأسمالية في خطط تنمية المجتمع المحلي وفى القضايا الخيرية، من أجل تعزيز صورتها العامة ومن أجل تخفيض التزاماتها الضريبية، فإنها قد تتردد أو تمتنع عن التعامل مع المنظمات التي قد تثير قضايا متعلقة بحماية البيئة أو بأوضاع العمال أو المستهلكين وحقوقهم. إن تشكيل التحالفات بين المجالات الثلاثة لن يكون خالياً من الاحتكاكات والتوترات، ولن يكون بالضرورة لصالح الجماعات المهشمة والفقيرة في المجتمع. ولم يقتصر الأمر على تجاهل التوترات بين الدولة والسوق والمجتمع المدني فحسب، بل كانت هناك أيضا نزعة لاعتبار المجتمع المدني كيانا أحادياً ومنسجماً. فلقد أشار البعض إلى الخاصية التناقضية والصراعية للمجتمع المدني ، حيث إن المجتمع المدني، مثل الدولة، ساحة لعلاقات القوة. بالتالي، فإن الاتجاه لمعاملة المجتمع المدني باعتباره العنصر الخيّر والجيد في العلاقة الثلاثية، يجعل المفهوم أكثر انكشافا وضعفا بمجرد إدراك الجوانب السلبية في المجتمع المدني. (Wood, 1990) 3. إشكالية الربط بين المجتمع المدني والدمقرطة أخيرا، أثار الربط بين المجتمع المدني والدمقرطة خلافا وجدلا كبيراً، فمن جانب حدد دياموند (L. Diamond) عدة طرق يمكن من خلالها للمجتمع المدني أن يعزز الديمقراطية، مركزا على التصور الليبرالي لوظائفه المتمثلة في كبح قوة وسلطة الدولة وضبطها، وتدعيم المشاركة السياسية، ومقاومة التسلطية. ومن جانب، وبصورة مناقضة إلى حد ما، يرى وايت (G. White) أن القوى الاجتماعية قد تكون عاملاً معززاً أو معرقلاً لعملية الدمقرطة. ففي الوقت الذي لا تهتم فيه الغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني بالقضايا السياسية المباشرة، فإن بين تلك المهتمة اهتماماً مباشراً بالسياسة وقضاياها، توجد منظمات مناصرة للديمقراطية جنبا إلى جنب مع منظمات مناهضة للديمقراطية ومؤيدة للحكم التسلطي ومتسامحة معه. وعلى الرغم من أن بعض منظمات المجتمع المدني قامت، تاريخيا، بدور حاسم ومهم في عملية الدمقرطة، فلا يمكن افتراض أنها ستقوم بذلك دائما وفى جميع الأحوال، فالمجتمع المدني قد توجد به قوى ديمقراطية وقوى مناهضة للديمقراطية كما يتضح من نمو الجماعات الفاشية في ثلاثينيات القرن العشرين في إيطاليا وألمانيا والنمسا. كذلك أدت الاضطرابات الاجتماعية، التي نتجت عن التغيرات السياسية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق، إلى بروز الجماعات العنصرية والفاشية والمضادة للديمقراطية. إضافة إلى ذلك، لا يمكن افتراض أن منظمات المجتمع المدني تعمل دائما وفقا للتقاليد والأطر الديمقراطية ، ففي العديد من الحالات تهيمن على هذه المنظمات قوى وعلاقات المحسوبية والتحيز الطبقي والجندري والإثني مثل بقية المؤسسات في الدولة والمجتمع. كما أنها ليست بالضرورة أفضل من أجهزة ومؤسسات الدولة من حيث خضوعها لمساءلة أعضائها أو في تعزيزها لمشاركتهم في تحديد أهدافها وتسيير أنشطتها. (CRAWFORD, pp. 37-38) القسم الثاني: العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في ليبيا قبل 2011 من الضروري التأكيد بداية على أن المجتمع المدني ليس المقصود منه أساسا إيجاد معارضة سياسية في مواجهة الدولة، إذ أن فاعلية المجتمع – بكافة منظماته أو مكوناته – تتضمن أهدافا أوسع وأعمق من مجرد المعارضة. إنها المشاركة بمعناها الشامل–سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا– إذ أن هذه المشاركة هي التي تتيح لمنظمات المجتمع المدني فرصة مراقبة كافة البنى الاجتماعية بما فيها مؤسسة الدولة ذاتها، وضبطها وتصحيح مسارها. وفي سياق هذا المنطق، ليس بالضرورة أن يكون هناك عداء أو تناقض بين الدولة والمجتمع المدني، غير أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تحكمها قاعدة أساسية تستند على الحفاظ على استقلالية المجتمع المدني. مع ذلك، يستبين من الواقع العملي أن أنماط العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني لم تحافظ على هذه القاعدة في كثير من الحالات. 1. أنماط العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني: يمثل دور منظمات المجتمع المدني في العملية السياسية وأنماط التفاعل بين هذه المنظمات والدولة، أحد الاهتمامات الرئيسة لأدبيات علم السياسة. ولقد برزت مجموعة من النماذج النظرية والأطر التحليلية التي حاولت أن تفسر أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة. ومن أهم هذه النماذج النموذج التعاضدي أو الكوربورتاري والنموذج التعددي. ووفقا للتعريف الذي قدمه فيليب شميتر Philippe Schmitter، فإن الكوربورتارية “نظام لتنظيم المصالح تُنظم فيه مكوناته ضمن عدد محدود من الفئات الإلزامية وغير التنافسية والهيراركية والمتمايزة وظيفيا ، تعترف بها الدولة، وتعطيها تصريحا بالعمل (أو تخلقها أصلا) وتمنحها احتكارا في تمثيل فئاتها مقابل التزامها بضوابط معينة في عملية اختيار قياداتها، وفي توضيح مصالحها والتعبير عنها، وفي تأييدها”. (محمد زاهي المغيربي، ص119) من ناحية أخرى، يعرف شميتر التعددية على أنها “نظام لتمثيل المصالح تُنظم فيه مكوناته ضمن عدد غير محدود من الفئات المتعددة والتطوعية والمتنافسة وغير الهيراركية، والتي تحدد طبيعة ومجال نشاطها ومصالحها. والتي لا تتدخل الدولة في الترخيص لها أو الاعتراف بها أو تمويلها أو خلقها أو السيطرة على عملية اختيارها لقياداتها أو كيفية توضيح مصالحها والتعبير عنها، وفي الوقت نفسه ليس لها احتكار على تمثيل المصالح المختلفة داخل فئاتها”. (محمد زاهي المغيربي، ص119) ويميز شميتر بين نوعين من العلاقات الكوربورتارية تكون فيها منظمات المجتمع المدني متشابهة من حيث البنية ولكنها مختلفة جدا من حيث علاقاتها مع الدولة. النوع الأول يطلق عليه تعبير ” الكوربورتاية المجتمعية ” في نظم الديمقراطيات التعددية، والذي تكون فيه الجماعات مستقلة نسبيا عن سيطرة الدولة ولها نفوذ قوى على عملية صنع السياسات العامة. أما النوع الثاني فهو ما يسميه (كوربورتارية الدولة )، وتخضع فيها الجماعات لسيطرة الدولة ويتغلغلها الجهاز البيروقراطي الرسمي والتنظيم الحزبي الحكومي المسيطر، وأفضل الأمثلة على ذلك نظم الحكم الشيوعية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقا، حيث كانت تنظيمات الحزب المهيمن تتغلغل في كل مستويات المجتمع، وتفرض سيطرة شديدة على كل الجماعات والروابط المسموح بتواجدها. فالنقابات والاتحادات الطلابية، على سبيل المثل كانت تخضع بالكامل للحزب الشيوعي، ونادرا ما كان يسمح لها بالتعبير عن المصالح المستقلة لأعضائها. كانت هذه السيطرة مطبقة في الاتحاد السوفيتي السابق وفى أوربا الشرقية ولا تزال سائدة في الصين وكوريا الشمالية. كذلك، فإن النظم التسلطية الكوربورتارية الموجودة في البلدان غير الشيوعية مثل أسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار والبرازيل والأرجنتين في عهد المؤسسة العسكرية والمكسيك في عهد الحزب الواحد شجعت هي الأخرى السيطرة والهيمنة على الجماعات والنقابات والروابط (محمد زاهي المغيربي، صفحات 119–120). 2. العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في ليبيا ينبغي بداية التطرق للسياق العام للعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في المنطقة العربية لما له من انعكاسات مهمة على حالة ليبيا. ولا تتمثل المشكلة الأساسية المتعلقة بالمجتمع المدني في الوطن العربي بصفة عامة، وفي ليبيا خصوصا، في عدم وجود منظمات هذا المجتمع، فالساحة العربية تتمتع فعلا بوجود تكوينات المجتمع المدني من أحزاب وروابط اجتماعية واقتصادية واتحادات للطلبة ومنظمات نسائية ونقابات مهنية وأندية وتعاونيات ومنظمات تطوعية، وهي تمارس بالفعل أنشطة متنوعة ومتعددة. إنما تتمثل مشكلة المجتمع المدني العربي في عدم فاعليته وفقدانه الاستقلالية في مواجهة الدولة. ( ثناء فؤاد عبد الله ، صفحات 281–282 ) إن موقف الدولة العربية إزاء منظمات المجتمع المدني يتسم إما بالتردد أو عدم الثقة. فالدولة تسمح قانونا بالجمعيات والتنظيمات المدنية، ولكنها في الوقت نفسه تضع من القيود والتنظيمات القانونية والإدارية مما يجعل لها اليد الطولي في مراقبة هذه المنظمات أو حلها أو تحديد مجال حريتها وحركتها، وتشمل هذه القيود التي تفرضها الدولة على المجتمع المدني قيودا تشريعية وإدارية وسياسية، وفى النهاية تتجمع الأسباب التي تؤثر على فاعلية تنظيمات المجتمع المدني وتجعل مشاركتها هامشية ومحدودة. فالقاعدة العامة في العلاقة بين الدولة والتنظيمات المدنية هي قاعدة عدم الثقة. وفي التحليل الأخير تبقى هذه التنظيمات مجرد منحة من المؤسسة العليا، أي الدولة، وبالطبع من حق المانح أن يمنح عطاياه أو يسحبها ويمنعها وقتما يشاء وكيفما يشاء. إن جوهر مشكلة المجتمع المدني العربي تتركز في انتشار سلطة الدولة في كل مجالات الحياة المجتمعية مما يجعل من هذه السلطة أداة مراقبة مستمرة وعائقا أمام إمكانية تحرير الأفراد واستقلال التنظيمات الاجتماعية. والحقيقة، إن ذلك لا يعني بالضرورة تقوية الدولة فالصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها، والمجالات والاختصاصات التي تمتلكها، والطموحات الزائدة لاحتلال كل المواقع، إضافة إلى أجهزتها وآلياتها المتنوعة قد يخفي ضعفا جوهريا ووجودا هشا للدولة، ففي وسط متخلف من المستبعد أن يعني وجود الدولة في كل مكان أنها بالفعل قوة حقيقية. (ثناء فؤاد عبد الله ، ص 284) ولا تختلف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في ليبيا كثيرا عن العلاقة الموجودة في بقية الأقطار العربية، إلا أن ما يميز ليبيا في هذا الإطار، وقبل 2011، هو طبيعة النظام الجماهيري القائم على المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية باعتبارها التطبيق العملي والإجرائي لسلطة الشعب والديمقراطية المباشرة. ففي ظل هذا النظام، تعتبر منظمات وروابط ومؤسسات المجتمع المدني بمختلف أنواعها جزءا من تركيبة سلطة الشعب، وتخضع مثل سائر المؤسسات لسيطرة وهيمنة المؤتمرات الشعبية، وتنظمها القوانين التي تقرها المؤتمرات الشعبية واللوائح والتعليمات التي تصدرها اللجان الشعبية. أ ) الروابط المهنية: على الرغم من أن النقابات والاتحادات والروابط المهنية متضمنة في بنية سلطة الشعب في ليبيا، فإن دورها يقتصر على الاهتمام بشؤونها ومشاغلها المهنية. ويحدد الكتاب الأخضر أن جميع الليبيين في المهن والحرف المختلفة ينتظمون في نقابات واتحادات وروابط مهنية. وتقوم كل نقابة أو اتحاد أو رابطة بتصعيد أمانة تقوم بإدارة شؤونها الإدارية والتنظيمية. وأمانات النقابات والاتحادات والروابط المهنية تشكل الاتحادات العامة للنقابات والاتحادات والروابط المهنية على مستوى ليبيا ككل. وأمناء الاتحادات العامة للنقابات والاتحادات والروابط المهنية هم أعضاء في مؤتمر الشعب العام حيث يعبرون عن مصالح فئاتهم المختلفة أمام المؤتمر، ولكن لا يحق لهم التصويت حول قضايا السياسة العامة، وذلك نظرا لأن مؤتمر الشعب العام يقوم فقط بتجميع وصياغة قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية، والنقابات والاتحادات والروابط المهنية غير متمثلة تمثيلا فئويا في المؤتمرات الشعبية الأساسية. ولقد تُرجمت هذه المقولات إلى قوانين ولوائح وقرارات لتنظيم هذه النقابات والاتحادات والروابط. فنص القانون على أن كل مهنة أو حرفة يحتكر تمثيلها اتحاد أو رابطة أو نقابة واحدة فقط. كما أنه لا يجوز لها القيام بأي نشاطات ليست لها علاقة بشؤونها المهنية، ولا يجوز لها أن تتصرف كوحدات جماعية في عمليات التفاوض والمساومة تجاه الأجهزة الإدارية وتجاه النقابات والاتحادات الأخرى، لأن ذلك يتنافى مع سلطة الشعب وآلياتها. كذلك، فإنها تُنشأ وتُلغى وتُحدد مجالات نشاطاتها وبنيتها التنظيمية وشروط عضويتها واختيار قياداتها عن طريق القوانين واللوائح والتعليمات المختلفة، هذا إلى جانب اعتمادها بالكامل تقريبا على دعم الدولة في تمويلها. (محمد زاهي المغيربي، صفحات 120-122) ب ) التنظيمات التطوعية الأهلية قامت التنظيمات التطوعية الأهلية بدور نشط ومهم في المجتمع الليبي منذ منتصف الأربعينيات. ولقد كانت هذه التنظيمات منتشرة وغطت أنشطتها كل جوانب الحياة الاجتماعية بما فيها محو الأمية والكشافة والنوادي الرياضية ورعاية المعاقين. ولكن، وفى العديد من الحالات، امتد نشاط هذه التنظيمات التطوعية الأهلية إلى الحياة والأمور السياسية. وفي واقع الأمر، ففي بعض الأحيان كانت الأهداف الأولية لهذه التنظيمات أهدافا سياسية، مع استعمال النشاطات الاجتماعية كغطاء رسمي. والمثل الواضح لمثل هذه التنظيمات هو “جمعية عمر المختار” التي تأسست في بنغازي عام 1943، ظاهريا كجمعية رياضية وثقافية واجتماعية، ولكن هدفها الحقيقي ونشاطها الأساسي كان التحريض ضد الإدارة العسكرية البريطانية والدعوة إلى استقلال ليبيا. (محمد بشير المغيربي ، 1993 ) في الخمسينيات والستينيات، شُكلت بعض التنظيمات التطوعية الأهلية لأغراض قومية محددة لجمع التبرعات والدعم المادي للثورتين الجزائرية والفلسطينية. ولكن، وبسبب القيود الحكومية، لم تقم هذه التنظيمات بأي أنشطة سياسية، وركزت على الجوانب الاجتماعية حتى لا تتعرض للحظر وإيقاف أنشطتها من قبل السلطة. وهكذا، فإن الخمسينيات والستينيات شهدت تأسيس العديد من التنظيمات التي اهتمت بجوانب محددة من العمل الاجتماعي التطوعي مثل جمعية الكفيف والنوادي الرياضية والتنظيمات الكشفية وروابط الرعاية الاجتماعية وجمعية الهلال الأحمر الليبي والجمعيات النسائية.(ندوة العمل الاجتماعي التطوعي،1989) بعد 1969، وعلى وجه الخصوص في الثمانينيات، وعلى الرغم من تزايد عدد التنظيمات المهتمة بالعمل الاجتماعي، فإن هذه التنظيمات كانت عبارة عن امتداد للمؤسسات الرسمية وتخضع للقوانين واللوائح والتعليمات الرسمية الدقيقة في عملية اختيار قياداتها، وفى بنيتها التنظيمية، وفي أمورها المالية، وفى أنشطتها المختلفة. ولقد أصدر مجلس قيادة الثورة القانون رقم (111) لسنة 1970 بشأن الجمعيات الأهلية، كما أصدر مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية لهذا القانون. ولقد استمر العمل بهذا القانون ولائحته التنفيذية إلى أن أُلغي عام 1369 (2001) بعد صدور القانون رقم (19) لسنة 1369(2001)، كما أصدرت أمانة مؤتمر الشعب العام القرار رقم (73) لسنة 1370 (2002) بشأن إصدار اللائحة التنفيذية للقانون رقم (19) لسنة 1369 (2001) بشأن إعادة تنظيم الجمعيات الأهلية. ومن خلال القراءة المقارنة للقانونين نلاحظ درجة تحكم الدولة وأجهزتها الإدارية في إنشاء هذه الجمعيات وتحديد نشاطها وهيكليتها ودمجها وحلها. ومن أمثلة ذلك: 1 . يحق للجهة الإدارية المختصة رفض إشهار أي جمعية لعدة أسباب من أهمها إذا رأت أنه ليس هناك حاجة إلى خدمات الجمعية، أو إذا كان إنشاؤها لا يتفق مع القانون والآداب والنظام العام. (المادة (10) من القانون (111) والمادة (3) من اللائحة التنفيذية للقانون (19)). 2 . لا يجوز لأي جمعية أن تنتسب أو تشترك أو تنضم إلى جمعية أو هيئة أو نادٍ مقره خارج ليبيا، أو تقبل تبرعات أو هبات من جهات أجنبية، إلا بعد الحصول على موافقة الجهة الإدارية المختصة. (المادة (20) من القانون (111)، والمادة (14) من القانون (19)). 3 . يحدد القانونان الهيكل التنظيمي للجمعيات الأهلية وكيفية تشكيل هيئاتها الإدارية وشروط عضوية هذه الهيئات ووظائفها ومسؤولياتها. 4 . يجوز للجهة الإدارية المختصة دعوة هيئات الجمعية لاجتماع غير عادي كلما كان ذلك ضروريا. (المادة (29) من القانون (111) ، والمادة (25) من القانون (19) ). 5 . يجب إبلاغ الجهة الإدارية المختصة بكل اجتماع للجمعية العمومية أو المؤتمر العام للجمعية وبالمسائل الواردة بجدول أعماله قبل انعقاده بفترة زمنية محددة. كما يجب إحالة صورة من محضر الاجتماع والقرارات الصادرة عنه إلى الجهة الإدارية المختصة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ الاجتماع. (المادة (41) من القانون (111) والمادة (27) من القانون (19)). 6 . يجوز للجهة الإدارية المختصة عند الاقتضاء إدماج أكثر من جمعية ترى أنها تسعى لتحقيق غرض مشترك. (المادة (46) من القانون (111) والمادة (34) من القانون (19)). 7 . يجوز للجهة الإدارية المختصة غلق الجمعية أو فروعها لمدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، وذلك كإجراء مؤقت تمهيدا للإدماج أو الحل. (المادة (47) من القانون (111)، والمادة (35) من القانون (19)). 8 . يجوز للجهة الإدارية المختصة إصدار قرار مسبب بحل الجمعية، ومن بين الأسباب الموجبة للحل مقتضيات المصلحة العامة. ( الفقرة (5) من المادة (49) من القانون (111)، والفقرة (5) من المادة (36) من القانون (19)). ويلاحظ في هذا الإطار، أنه في الوقت الذي أجاز فيه القانون (111) للجهة الإدارية حل الجمعية، فإن القانون (19) أوجب عليها القيام بذلك، ووفقا للأسباب التي تستوجب الحل. كذلك يلاحظ أن عبارة ” إذا دعت المصلحة العامة لذلك ” هي عبارة عامة ومطاطة وتحتمل تأويلات عديدة، ويمكن أن توظفها الجهة الإدارية المختصة لحل الجمعية وفقا لتفسيرها وفهمها لهذه العبارة. من خلال هذه القراءة المقارنة السريعة للقانونين نلاحظ عدم وجود اختلافات جوهرية بينهما رغم الفترة الزمنية الطويلة التي تفصل بينهما، وأن الدولة وأجهزتها الإدارية كانت مهيمنة على أنشطة الجمعيات التطوعية الأهلية وتحدد هيكليتها التنظيمية وكيفية اختيارها لقياداتها وتسييرها لأعمالها. يتضح مما سبق أن أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة في ليبيا تقترب من نموذج ” كوربورتارية الدولة ” للأسباب التالية: 1 . إن الأحزاب السياسية محظورة منذ السنوات الأولى للثورة، واعتبر القانون تكوين الأحزاب السياسية جريمة ضد الثورة والشعب عقوبتها الإعدام (القانون رقم (71) لسنة 1972). 2 . إن النقابات والاتحادات والروابط المهنية في ليبيا غير تنافسية وإلزامية وهيراركية. 3 . إن النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية تُنشأ وتُنظم ويُعاد تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين رسمية. 4 . إن كل نقابة أو اتحاد مهني يحتكر عملية تمثيل المصالح المختلفة ضمن فئته. 5 . إن منظمات المجتمع المدني لا تمثل مجالاً مستقلاً ومنفصلاً عن الدولة، بل إنها متضمنة في البنية التنظيمية الرسمية، وتعتبر جزءاً من آليات النظام السياسي في ليبيا الذي يستند على النظرية الجماهيرية التي تحدد أن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية هي الإطار والمجال الوحيد للنشاط السياسي لأفراد المجتمع. ملاحظات ختامية على الرغم من تشكيل أعداد ضخمة من منظمات المجتمع المدني في ليبيا بعد فبراير2011، ظل المجتمع المدني في ليبيا يعاني من الكثير من الاختلالات الناجمة عن تجربة العقود السابقة، وأهم هذه الاختلالات هيمنة الدولة والتبعية التمويلية. فقد كانت الدولة مهيمنة بشكل كامل على المجتمع المدني، حيث كانت النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية تُنشأ وتُنظم ويعاد تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين، كما أن منظمات المجتمع المدني لم تكن مجالا مستقلا ومنفصلا عن الدولة، بل كانت متضمَّنة في البنية التنظيمية الرسمية وتعتبر من ثمَ جزءا من آليات النظام السياسي الليبي. من جانب آخر، لم تعان منظمات المجتمع المدني تنظيميا وسياسيا من هيمنة الدولة فحسب بل كانت خاضعة لسيطرتها التمويلية، الأمر الذي قضى على استقلاليتها وفاعليتها وقدرتها على القيام بدور إيجابي في العملية السياسية. وعلى الرغم من الفرص المتاحة الآن للمجتمع المدني لتوكيد استقلاليته التنظيمية والتمويلية، فإن المعضلة تتمثل في أن العقود الطويلة من خضوع هذه المنظمات لهيمنة الدولة واعتمادها شبه الكامل على تمويل الخزانة العامة، صعّبت عليها تأمين تمويل لنشاطاتها من مصادر ذاتية مستقلة. أضف إلى ذلك أن ذهنية الاعتماد على الدولة، أي “الذهنية الريعية”، السائدة في المجتمع الليبي تساعد على استمرار سعي المجتمع المدني لتأمين تمويل الدولة أو المنظمات الدولية لنشاطاته، متجاهلا أو غافلا عن القيود التي يفرضها هذا التوجه على استقلالية المجتمع المدني وفاعليته. وتتعين المعضلة الأخرى التي تواجهها منظمات المجتمع المدني في عزوف الموطنين عن الانضمام لهذه المنظمات والانخراط في نشاطاتها. فعلى الرغم من 90% من الليبيين يوافقون على أن ينص الدستور على حرية تكوين الجمعيات والنقابات، فإن المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم الذي أُجري في مطلع 2014 ضمن مشروع المسح العالمي للقيم يكشف أن السلوكات الفعلية لليبيين تعبر عن عزوف واضح عن الانضمام لمثل هذه المنظمات، فقد بينت أغلبية ساحقة منهم عن أنهم غير منضوين “لأي منظمات تطوعية أو مدنية أو إغاثية، أو رياضية أو ترفيهية (81%)، أو فنية أو تعليمية (86.3)، أو نقابات عمالية (85.5%)، أو منظمات بيئية (89%)، أو روابط مهنية وحرفية (85.8%)، أو منظمات إنسانية أو خيرية (79%)، أو غيرها من المنظمات (89.2%)”. (المسح العالمي للقيم: المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم، صفحة 101) وإذا كان انضمام المواطنين لشبكات ومنظمات المجتمع المدني والمشاركة في نشاطاتها هو أحد أهم المؤشرات الدالة على قوة المجتمع المدني وحيويته، فإن بيانات المسح العالمي للقيم في ليبيا تشير إلى أن الطريق لا يزال طويلا أمامها لبناء مجتمع مدني قوي وداعم للديمقراطية. في المقابل، يمكن المحاجة هنا بأن أهمية المجتمع المدني في العملية الديمقراطية ترتبط بفعاليته في العملية السياسية وفي تعزيز الدمقرطة أكثر من ارتباطها بحجم عضوية منظمات المجتمع المدني. وبحكم طبيعة نشاط المجتمع المدني التي تستلزم التزاما أعمق ومشاركة أكبر في قضاياه ونشاطاته، يصبح معيار حجم العضوية غير مناسب لتقويم مدى تأثير منظمات المجتمع المدني على العملية الديمقراطية، وينبغي البحث عن تفسيرات أخرى لتقويم هذا التأثير ومداه. ولعل التفسير الأكثر معقولية هو الركون إلى معيار فعالية المجتمع المدني في توجيه العملية السياسية والمسار الديمقراطي. غير أن المعضلة في ليبيا هي أن منظمات المجتمع المدني يعوزها الحجم والفعالية معا، هذا فضلا عن التصورات المتكونة عند البعض حول ارتباطاتها الخارجية، وجميعها تعكس تركة النظام السابق. إن من أهم مقومات نجاح التنظيمات التطوعية الأهلية أن يكون الأفراد أحراراً في تكوين الجمعيات التطوعية، وأن تتمتع هذه الجمعيات باستقلاليتها التنظيمية والإجرائية عن سيطرة الدولة وأجهزتها الإدارية. إن قيام الجهات الإدارية بالتدخل في شؤون الجمعيات التطوعية من خلال تعيين قياداتها أو تحديد مساراتها، يجعل هذه الجمعيات تفقد تلقائيتها وعفويتها ، ويجهض فاعليتها وتأثيرها، ويحول مديريها إلى مجرد موظفين تابعين للدولة تنقصهم روح المبادرة والابتكار اللازمة لكل عمل تطوعي حقيقي. إن الاستقراء السريع للحركة التطوعية في ليبيا يوضح بجلاء أن الجمعيات والأعمال التطوعية التي تركت بصماتها وآثارها في كل مكان هي تلك الجمعيات الأهلية التي كونها وأدارها الأهالي، وأن هذه الجمعيات نفسها فقدت الكثير من بريقها وتأثيرها عندما فقدت استقلاليتها التمويلية والإدارية. إن توافر هذه العناصر يسمح بوجود مجتمع مدني قوي يكون القاعدة بدوره لدولة قوية، لأن هذه الدولة ستقوم على احترام قواعد ذات قبول عام في المجتمع، ومن ثم سوف يكون هذا المجتمع أكثر استعدادا لمساندة هذه الدولة في جميع المجالات. كما أن هذه الدولة بدورها سوف تسعى إلى كسب مساندة هذا المجتمع لأنها سوف تعتمد على إقناع المواطنين بأن سياساتها تحقق مصالحهم. المراجع الأساسية أولا : المراجع العربية 1. ثناء فؤاد عبد الله (1997)، آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2. زاهي المغيربي وآخرون، المسح العالمي للقيم: المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم: التقرير النهائي، جامعة بنغازي: مركز البحوث والاستشارات، 2015. 3. سعد الدين إبراهيم (1995)، “تقديم: المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي”، في أماني قنديل، عملية التحول الديمقراطي في مصر (1981-1993)، القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. 4. محمد بشير المغيربي (1993)، وثائق جمعية عمر المختار، القاهرة: دار الهلال. 5. محمد زاهي المغيربي (1995) ، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبيا، القاهرة: مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. 6. ندوة العمل الاجتماعي التطوعي (1989)، بنغازي: جمعية الهلال الأحمر الليبي. ثانيا : المراجع الإنجليزية 1 . Crawford, Gordon (2000), “Promoting Democratic Governance in the South”, The European Journal of Development Research, Vol. 12, No.1, June, pp. 23-57. 2 . Fatton, Robert (1995), “Africa in the Age of Democratisation”, African Studies Review, Vol.38, No. 2, Sept., pp. 67-99. 3 . Howell, Jude (2000), “Making Civil Society from the Outside“, The European Journal of Development Research, Vol. 12, No.1, June , pp. 3-22. 4 . Wood, Ellen (1990), “The Uses and Abuses of Civil Society”, Socialist Register, pp. 60-84 .
النشرة البريدية
التواصل
  •   0922118682
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

بدعم من

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022 

النشرة البريدية
التواصل
  •    0922118682   
  •    info@impact.org.ly
  •    بنغازي -  ليبيا     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة أثر ©2022